أطل علينا شهر رمضان المبارك بخبر صدور الموافقة الكريمة على تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية الواقعة تحت مظلة وزارة التعليم العالي. لقد أثبتت لنا هذه اللفتة الحانية من لدن والدنا الملك القائد مدى الحرص والاهتمام الذي يوليه، حفظه الله، لتطوير قطاع التعليم العالي في بلادنا الغالية. لقد قدمت حكومتنا الرشيدة وما زالت تقدم كل ما يساعد على تحسين الأداء ورفع الإنتاجية للارتقاء بالعلم وأهله، من خلال زيادة عدد الجامعات وإيجاد فرص وظيفية للعمل فيها لتوسيع قاعدة البحث والتطوير، ومن خلال الاهتمام بما يوفر الجو الملائم للباحث والأكاديمي لأداء عملهم بكل يسر وسهولة.
من قبل صدور القرار الكل يتوسم خيراً، حتى أن حال المتفائلين وصل بهم إلى توقع أرقام فلكية وإلى تحسينات خيالية تنال كل من له علاقة بالتعليم العالي من أركان العملية التعليمية. وبمجرد صدور القرار كانت ردة الفعل معاكسة تماما لكل التوقعات والآمال التي تراكمت لأكثر من عقد من الزمان. ردة الفعل هذه قادت الكثير من أعضاء هيئة التدريس والكتاب لانتقاد الطريقة التي رُبطت بها هذه التحسينات، خصوصاً والأمر يحوطه الكثير من الغموض فيما يتعلق بطريقة وآلية تنفيذ القرار.
مثل هذا القرار أُشبع دراسة وبحثا ونوقش على مستوى الدولة مرات ومرات، فالكل يجمع على عدم مناسبة كادر أعضاء هيئة التدريس سواء للخبرات التي يحملونها أو للتضحيات التي قدموها خلال مسيرتهم التعليمية، أو للمجهود المؤمل أن يقدم من خلالهم. بعد ما تقدم يأتي هنا تساؤل مهم جدا، ألا وهو هل كان من بين أعضاء اللجنة المكلفة بدراسة وصياغة هذا القرار أعضاءً من منسوبي الهيئة التدريسية بوزارة التعليم العالي، أم أن هذه اللجنة كُونت من موظفين إداريين فقط؟ وهذا ما أستبعده أيضا لما سيأتي لاحقاً.
هذا القرار لم يحز على الرضا التام من أغلب أطياف الهيئة التدريسية مقارنة بما كان يتوقع أن يتم لهم، وأنا هنا أتفق مع الكثير مما كتب عن أن هذه التحسينات كان الواجب أن تطول سلم الرواتب قبل المخصصات والبدلات. ثم تقرن البدلات والمكافآت بالأداء، كما هو معمول به في غالبية جامعات العالم، لكني لن أخوض كثيراً في هذا الجانب فقد أُشبع نقدا وتأويلاً وسأنحو منحى آخر يأتي ذكره.
إن هذا القرار قد يوسع الهوة بين أعضاء هيئة التدريس ومن في حكمهم “على حسب التسمية الدارجة في بعض اللوائح”، فالقرار لم يشمل جميع أركان العملية التعليمية. القرار أعطى وأعطى الكثير لأعضاء هيئة التدريس والمحاضرين فقط ولكن في حدود تفسير اللوائح. وأهمل جزءا مهما من أركان تطوير التعليم العالي وهم أولاً المعيدون ـ الذين يشكلون اللبنة الأساسية للتطوير القادم، وثانياً الموظفون الإداريون وهذا ما يدعوني لاستبعاد أن يكون أعضاء هذه اللجنة من منسوبي الهيئة التدريسية في الجامعات.
حتى يحقق التعليم الجامعي تطوراً ونمواً فيجب أن يُهتم بأعضاء هيئة التدريس (الحاليين والمستقبليين) وما يُهيئ لهم الجو الصحي المناسب لتحقيق الإنتاجية المستهدفة. فيجب أن يُهتم أيضاً بعضو هيئة التدريس المقبل ويُمنح ولو جزءا يسيراً من هذه الحوافز والمكافآت لاستقطاب كفاءات مميزة لهذا القطاع، ولتحقيق العدالة والمساواة بين كل منسوبي هذا الجهاز التعليمي. فالمقام هنا لا يتسع لذكر العقبات التي تواجه المعيد في بعض الجامعات، سواء من تأخير الابتعاث أو حرمانه من بعض البدلات الممنوحة لأقرانه في الجامعات الأخرى، وإثقال كواهلهم بالأعباء التدريسية والإدارية.
والأمر كذلك يمتد ليشمل موظفي القطاع الإداري في الجامعات، فهم يحملون جزءا كبيراً في إدارة وتوفير الجو الملائم لعضو هيئة التدريس وللطالب للإنجاز والنجاح. فهم حقا يلعبون دور الجندي المجهول في هذا الميدان.
يعمل المعيد عدد ساعات يوازي أو يفوق عضو هيئة التدريس، فيكلف بالمعامل والتطبيقات وأحياناً يسند إليه تدريس مواد كاملة ويطلب منه القيام بأعمال إدارية إلا من رحم ربي. ومع كل هذا لم يتغير شيء على كادره الوظيفي ولا يُعطي بدل سكن، وفي بعض الجامعات يُحرم من بدل الحاسب الآلي، وفوق كل هذا لا تحسب له فترة الخدمة على وظيفة معيد في حساب مكافأة نهاية الخدمة، مع أنها جزء مهم من حياته وشبابه أفناها في خدمة وطنه من خلال قيامه بالعمل في جامعته، ومن خلال الاغتراب والاكتواء بنار الغربة بعيداً عن الأهل والوطن ليعود فيجد أن كل تلك السنوات مرت بلا حساب.
كل هذه الأمور تُفيد أن القائمين على صياغة مثل هذا القرار لا يطمحون إلى استقطاب معيدين جدد، خاصة أن سوق العمل يمنح ميزات أفضل مما يحصل عليه المعيد في جامعاتنا. وهنا أتساءل إذا كان أعضاء هذه اللجان من أعضاء هيئة التدريس، ألم يكونوا في يوم ما معيدين ويشعرون بشعور التفرقة الحاصل في المهام والمكافآت؟
إن مثل هذا القرار سيقود للإضرار بالعملية التعليمية وتجفيف منابع الاستقطاب لإكمال المسيرة التعليمية. فالجامعات ستعاني شحاً في عدد الملتحقين بوظائفها، نظراً لعدم توافر الحوافز المشجعة للتنازل عن فرص أخرى، وهذا الحاصل في بعض الكليات العلمية والإدارية التي لا تستطيع مجاراة ومسايرة القطاع الخاص في استقطاب وتأهيل الكفاءات المتميزة.
هذا القرار وفي حال تُركت للجامعات الحرية في تفسيره وتنفيذه حسبما تراه، سيؤدي قطعاً إلى نتيجة مفادها عدم العدالة في التنفيذ، فترى جامعات تعطي بدلات ومميزات لا تعطيها جامعات أخرى، وترى اختلافا في حساب النسب بين الجامعات، ما سيقود إلى هجرة في الكفاءات من الجامعات القائمة إلى الجامعات الناشئة لتوفير حياة كريمة لأبنائهم وأسرهم، وهذا قد يُضعف العملية البحثية، وبالتالي قد يُؤسس إلى وجود نوعين من الجامعات جامعات قوية ومتمكنة في البحوث ولكن لا تقدم عوائد مجزية ـ فتجدها شبه خالية ـ وجامعات سخية في البدلات النقدية ولكنها لم تلحق بركب التقدم والتطور ـ لانشغالها بحساب البدلات والمكافآت، ولك أن تختار أي الفريقين لتحقق أهدافك.
لو أُعطي المعيد الحوافز والتسهيلات التي تسد الفجوة ما بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص لحصلت الجامعات على كفاءات متميزة تعود عليها مستقبلا بالعلم والمنفعة المرجوة. لكن هذا القرار الذي لم يساو بين كل عناصر العملية التعليمية يصنف على أنه قرار متحيز لفئة.
ختاما .. أتمنى أن تسند مهمة تفسير هذا النظام لوزارة التعليم العالي حتى نضمن العدالة بين جامعاتنا في التنفيذ، وأن يعاد النظر في منح بعض المميزات والبدلات للمعيدين وأن يمنح الموظفون الإداريون ما يستحقون مكافأة لهم على الدور الذي يقومون به.

